Archive Hadith
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
Source bookجامع البيان عن تأويل آي القرآن
Original number20199
Narrators0
Reading styleClassic Ivory
Uses the same manuscript-inspired reading styles as the Qur’an reader. Your choice is remembered across both readers.
Source textOriginal Arabic
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ زَنْجُوَيْهِ ، قَالا : ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، قَالَ : ثنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ . وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثنا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَمَّنْ لا يُتَّهَمُ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ الْيَمَانِيِّ ، وَاللَّفْظُ لِحَدِيثِ ابْنِ حُمَيْدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لإِرْمِيَا حِينَ بَعَثَهُ نَبِيًّا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ : يَا إِرْمِيَا مِنْ قَبْلِ أَنْ أَخْلُقَكَ اخْتَرْتُكَ ، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ أُصَوِّرَكَ فِي بَطْنِ أُمِّكَ قَدَّسْتُكَ ، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ أُخْرِجَكَ مِنْ بَطْنِ أُمِّكَ طَهَّرْتُكَ ، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ تَبْلُغَ السَّعْيَ نَبَّيْتُكَ ، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ تَبْلُغَ الأَشُدَّ اخْتَبَرْتُكَ ، وَلأَمْرٍ عَظِيمٍ اجْتَبَيْتُكَ ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِرْمِيَا إِلَى ذَلِكَ الْمَلِكِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُسَدِّدُهُ وَيُرْشِدُهُ ، وَيَأْتِيهِ بِالْخَبَرِ مِنَ اللَّهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ ، قَالَ : ثُمَّ عَظُمَتِ الأَحْدَاثُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَرَكِبُوا الْمَعَاصِيَ ، وَاسْتَحَلُّوا الْمَحَارِمَ ، وَنَسُوا مَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى صَنَعَ بِهِمْ ، وَمَا نَجَّاهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ سَنْحَارِيبَ وَجُنُودِهِ ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى إِرْمَيَاءَ : أَنِ ائْتِ قَوْمَكَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَاقْصُصْ عَلَيْهِمْ مَا آمُرُكَ بِهِ ، وَذَكِّرْهُمْ نِعْمَتِي عَلَيْهِمْ ، وَعَرِّفْهُمْ أَحْدَاثَهُمْ ، فَقَالَ إِرْمَيَاءُ : إِنِّي ضَعِيفٌ إِنْ لَمْ تُقَوِّنِي ، عَاجِزٌ إِنْ لَمْ تُبَلِّغْنِي ، مُخْطِئٌ إِنْ لَمْ تُسَدِّدْنِي ، مَخْذُولٌ إِنْ لَمْ تَنْصُرْنِي ، ذَلِيلٌ إِنْ لَمْ تُعِزَّنِي . قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : أَوَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الأُمُورَ كُلَّهَا تَصْدُرَ عَنْ مَشِيئَتِي ، وَأَنَّ الْقُلُوبَ كُلَّهَا وَالأَلْسِنَةَ بِيَدِي ، أُقَلِّبُهَا كَيْفَ شِئْتُ ، فَتُطِيعُنِي ، وَإِنِّي أَنَا اللَّهُ الَّذِي لا شَيْءَ مِثْلِي ، قَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَا فِيهِنَّ بِكَلِمَتِي ، وَأَنَا كَلَّمْتُ الْبِحَارَ ، فَفَهِمَتْ قَوْلِي ، وَأَمَرْتُهَا فَعَقَلَتْ أَمْرِي ، وَحَدَّدْتُ عَلَيْهَا بِالْبَطْحَاءِ فَلا تَعَدَّى حَدِّي ، تَأْتِي بِأَمْوَاجٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ حَدِّي أَلْبَسْتُهَا مَذَلَّةَ طَاعَتِي خَوْفًا وَاعْتِرَافًا لأَمْرِي ، إِنِّي مَعَكَ وَلَنْ يَصِلَ إِلَيْكَ شَيْءٌ مَعِي ، وَإِنْ بَعَثْتُكَ إِلَى خَلْقٍ عَظِيمٍ مِنْ خَلْقِي ، لِتُبَلِّغَهُمْ رِسَالاتِي ، وَلِتَسْتَحِقَّ بِذَلِكَ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْهُمْ لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ، وَإِنْ تُقَصِّرْ عَنْهَا تَسْتَحِقُّ بِذَلِكَ مِثْلَ وِزْرِ مَنْ تَرَكْتَ فِي عَمَاهُ لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا ، انْطَلِقْ إِلَى قَوْمِكَ ، فَقُلْ : إِنَّ اللَّهَ ذَكَرَ بِكُمْ صَلاحَ آبَائِكُمْ ، فَحَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَسْتَتِيبَكُمْ يَا مَعْشَرَ الأَبْنَاءِ ، وَسَلْهُمْ كَيْفَ وَجَدَ آبَاؤُهُمْ مَغَبَّةَ طَاعَتِي ، وَكَيْفَ وَجَدُوا هُمْ مَغَبَّةَ مَعْصِيَتِي ، وَهَلْ عَلِمُوا أَنَّ أَحَدًا قَبْلَهُمْ أَطَاعَنِي فَشَقِيَ بِطَاعَتِي ، أَوْ عَصَانِي فَسَعِدَ بِمَعْصِيَتِي ، فَإِنَّ الدَّوَابَّ مَا تَذْكُرُ أَوْطَانَهَا الصَّالِحَةَ فَتَنْتَابُهَا ، وَإِنَّ هَؤُلاءِ الْقَوْمَ رَتَعُوا فِي مُرُوجِ الْهَلَكَةِ . أَمَّا أَحْبَارُهُمْ وَرُهْبَانُهُمْ فَاتَّخَذُوا عِبَادِي خَوَلا لِيَعَبْدُوهُمْ دُونِي وَتَحَكَّمُوا فِيهِمْ بِغَيْرِ كِتَابِي حَتَّى أَجْهَلُوهُمْ أَمْرِي ، وَأَنْسَوْهُمْ ذِكْرِي ، وَغَرُّوهُمْ مِنِّي . أَمَّا أُمَرَاؤُهُمْ وَقَادَتُهُمْ فَبَطِرُوا نِعْمَتِي ، وَأَمِنُوا مَكْرِي ، وَنَبَذُوا كِتَابِي ، وَنَسَوْا عَهْدِي ، وَغَيَّرُوا سُنَّتِي ، فَادَّانَ لَهُمْ عِبَادِي بِالطَّاعَةِ الَّتِي لا تَنْبَغِي إِلا لِي ، فَهُمْ يُطِيعُونَهُمْ فِي مَعْصِيَتِي ، وَيُتَابِعُونَهُمْ عَلَى الْبِدَعِ الَّتِي يَبْتَدِعُونَ فِي دِينِي جَرْأَةً عَلَيَّ وَغِرَّةً وَفِرْيَةً عَلَيَّ وَعَلَى رُسُلِي ، فَسُبْحَانَ جَلالِي وَعُلُوِّ مَكَانِي ، وَعَظَمَةِ شَأْنِي ، فَهَلْ يَنْبَغِي لِبَشَرٍ أَنْ يُطَاعَ فِي مَعْصِيَتِي ، وَهَلْ يَنْبَغِي لِي أَنْ أَخْلَقَ عِبَادًا أَجْعَلُهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِي ؟ ! وَأَمَّا قُرَّاؤُهُمْ وَفُقَهَاؤُهُمْ فَيَتَعَبَّدُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَيَتَزَيَّنُونَ بِعِمَارَتِهَا لِغَيْرِي ، لِطَلَبِ الدُّنْيَا بِالدِّينِ ، وَيَتَفَقَّهُونَ فِيهَا لِغَيْرِ الْعِلْمِ ، وَيَتَعَلَّمُونَ فِيهَا لِغَيْرِ الْعَمَلِ . وَأَمَّا أَوْلادُ الأَنْبِيَاءِ ، فَمَكْثُورُونَ مَقْهُورُونَ مُغَيِّرُونَ ، يَخُوضُونَ مَعَ الْخَائِضِينَ ، وَيَتَمَنَّوْنَ عَلَيَّ مِثْلَ نُصْرَةِ آبَائِهِمْ وَالْكَرَامَةِ الَّتِي أَكْرَمْتُهُمْ بِهَا ، وَيَزْعُمُونَ أَنْ لا أَحَدَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُمْ مِنِّي بِغَيْرِ صِدْقٍ وَلا تَفَكُّرٍ وَلا تَدَبُّرٍ ، وَلا يَذْكُرُونَ كَيْفَ كَانَ نَصْرُ آبَائِهِمْ لِي ، وَكَيْفَ كَانَ جِدُّهُمْ فِي أَمْرِي حِينَ غَيَّرَ الْمُغَيِّرُونَ ، وَكَيْفَ بَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ ، فَصَبَرُوا وَصَدَقُوا حَتَّى عَزَّ أَمْرِي ، وظهر دِينِي ، فَتَأَنَّيْتُ بِهَؤُلاءِ الْقَوْمِ لَعَلَّهُمْ يَسْتَجِيبُونَ ، فَأَطْوَلْتُ لَهُمْ ، وَصَفَحْتُ عَنْهُمْ ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ، فَأَكْثَرْتُ وَمَدَدْتُ لَهُمْ فِي الْعُمُرِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ، فَأَعْذَرْتُ فِي كُلِّ ذَلِكَ ، أُمْطِرُ عَلَيْهِمُ السَّمَاءَ ، وَأُنْبِتُ لَهُمُ الأَرْضَ ، وَأُلْبِسُهُمُ الْعَافِيَةَ ، وَأُظْهِرُهُمْ عَلَى الْعَدُوِّ ، فَلا يَزْدَادُونَ إِلا طُغْيَانًا وَبُعْدًا مِنِّي ، فَحَتَّى مَتَى هَذَا ؟ أَبِي يَتَمَرَّسُونَ ؟ أَمْ إِيَّايَ يُخَادِعُونَ ؟ وَإِنِّي أَحْلِفُ بِعِزَّتِي لأُقَيِّضَنَّ لَهُمْ فِتْنَةً يَتَحَيَّرُ فِيهَا الْحَلِيمُ ، وَيَضِلُّ فِيهَا رَأْيُ ذِي الرَّأْيِ وَحِكْمَةُ الْحَكِيمِ ، ثُمَّ لأُسَلِّطَنَّ عَلَيْهِمْ جَبَّارًا قَاسِيًا عَاتِيًا ، أُلْبِسُهُ الْهَيْبَةَ ، وَأَنْتَزِعُ مِنْ صَدْرِهِ الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ وَاللِّيَانَ ، يَتْبَعُهُ عَدَدٌ وَسَوَادٌ مِثْلُ سَوَادِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ ، لَهُ عَسَاكِرُ مِثْلُ قِطَعِ السَّحَابِ ، وَمَرَاكِبُ أَمْثَالُ الْعِجَاجِ ، كَأَنَّ حَفِيفَ رَايَاتِهِ طَيَرَانُ النُّسُورِ ، وَإِنَّ حَمْلَةَ فُرْسَانِهِ كَرِيرُ الْعِقْبَانِ . ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى إِرْمِيَا : إِنِّي مُهْلِكٌ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِيَافِثَ ، وَيَافِثُ أَهْلُ بَابِلَ ، وَهُمْ مِنْ وَلَدِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ . فَلَمَّا سَمِعَ إِرْمِيَا وَحْيَ رَبِّهِ صَاحَ وَبَكَى وَشَقَّ ثِيَابَهُ ، وَنَبَذَ الرَّمَادَ عَلَى رَأْسِهِ ، وَقَالَ : مَلْعُونٌ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ ، وَيَوْمُ لُقِّيتُ التَّوْرَاةَ ، وَمِنْ شَرِّ أَيَامَى يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ ، فَمَا أُبْقِيتُ آخِرَ الأَنْبِيَاءِ إِلا لِمَا هُوَ شَرُّ عَلَيَّ ، لَوْ أَرَادَ بِي خَيْرًا مَا جَعَلَنِي آخِرَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَمِنْ أَجْلِي تُصِيبُهُمُ الشِّقْوَةُ وَالْهَلاكُ ، فَلَمَّا سَمِعَ اللَّهَ تَضَرُّعَ الْخَضِرِ وَبُكَاءَهُ ، وَكَيْفَ يَقُولُ ، نَادَاهُ : يَا إِرْمِيَا ، أَشَقَّ عَلَيْكَ مَا أَوْحَيْتُ لَكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، يَا رَبِّ أَهْلِكْنِي قَبْلَ أَنْ أَرَى فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مَا لا أُسَرُّ بِهِ ، فَقَالَ اللَّهُ : وَعِزَّتِي الْعَزِيزَةُ ، لا أُهْلِكُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى يَكُونَ الأَمْرُ مِنْ قِبَلِكَ فِي ذَلِكَ . فَفَرِحَ عِنْدَ ذَلِكَ إِرْمِيَا لِمَا قَالَ لَهُ رَبُّهُ ، وَطَابَتْ نَفْسُهُ ، وَقَالَ : لا ، وَالَّذِي بَعَثَ مُوسَى وَأَنْبِيَاءَهُ بِالْحَقِّ لا آمُرُ رَبِّي بِهَلاكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبَدًا ، ثُمَّ أَتَى مَلِكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَخْبَرَهُ مَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فَاسْتَبْشَرَ وَفَرِحَ ، وَقَالَ : إِنْ يُعَذِّبْنَا رَبُّنَا فَبِذُنُوبٍ كَثِيرَةٍ قَدَّمْنَاهَا لأَنْفُسِنَا ، وَإِنْ عَفَا عَنَّا فَبُقْدَرَتِهِ . ثُمَّ إِنَّهُمْ لَبِثُوا بَعْدَ هَذَا الْوَحْيِ ثَلاثَ سِنِينَ لَمْ يَزْدَادُوا إِلا مَعْصِيَةً وَتَمَادِيًا فِي الشَّرِّ ، وَذَلِكَ حِينَ اقْتَرَبَ هَلاكُهُمْ ، فَقَلَّ الْوَحْيُ حِينَ لَمْ يَكُونُوا يَتَذَكَّرُونَ الآخِرَةَ ، وَأَمْسَكَ عَنْهُمْ حِينَ أَلْهَتْهُمُ الدُّنْيَا وَشَأْنُهَا ، فَقَالَ لَهُمْ مَلِكُهُمْ : يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ، انْتَهُوا عَمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّكُمْ بَأْسُ اللَّهِ ، وَقَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ لا رَحْمَةَ لَهُمْ بِكُمْ ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ قَرِيبُ التَّوْبَةِ ، مَبْسُوطُ الْيَدَيْنِ بِالْخَيْرِ ، رَحِيمٌ بِمَنْ تَابَ إِلَيْهِ . فَأَبَوْا عَلَيْهِ أَنْ يَنْزِعُوا عَنْ شَيْءٍ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ ، وَإِنَّ اللَّهَ أَلْقَى فِي قَلْبِ بُخْتَنَصَّرَ بْنِ نَبُوزَرَادَانَ بْنِ سَنْحَارِيبَ بْنِ دَارْيَاسَ بْنِ نُمْرُودَ بْنِ فَالِخِ بْنِ عَابِرِ بْنِ نُمْرُودَ صَاحِبِ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي حَاجَّهُ فِي رَبِّهِ ، أَنْ يَسِيرَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، ثُمَّ يَفْعَلُ فِيهِ مَا كَانَ جَدُّهُ سَنْحَارِيبُ أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ ، فَخَرَجَ فِي سِتِّ مِائَةِ أَلْفِ رَايَةٍ يُرِيدُ أَهْلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَلَمَّا فَصَلَ سَائِرًا أَتَى مَلِكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْخَبَرُ أَنَّ بُخْتَنَصَّرَ قَدْ أَقْبَلَ هُوَ وَجُنُودُهُ يُرِيدُكُمْ ، فَأَرْسَلَ الْمَلِكُ إِلَى إِرْمِيَا ، فَجَاءَهُ ، فَقَالَ : يَا إِرْمِيَا أَيْنَ مَا زَعَمْتَ لَنَا أَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى إِلَيْكَ أَنْ لا يُهْلِكَ أَهْلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، حَتَّى يَكُونَ مِنْكَ الأَمْرُ فِي ذَلِكَ ؟ فَقَالَ إِرْمِيَا لِلْمَلِكِ : إِنَّ رَبِّي لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ، وَأَنَا بِهِ وَاثِقٌ . فَلَمَّا اقْتَرَبَ الأَجَلُ وَدَنَا انْقِطَاعُ مُلْكِهِمْ وَعَزَمَ اللَّهُ عَلَى هَلاكِهِمْ ، بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا مِنْ عِنْدِهِ ، فَقَالَ لَهُ : اذْهَبْ إِلَى إِرْمِيَا فَاسْتَفْتِهِ ، وَأْمُرْهُ بِالَّذِي يَسْتَفْتِي فِيهِ ، فَأَقْبَلَ الْمَلَكُ إِلَى إِرْمِيَاءَ ، وَقَدْ تَمَثَّلَ لَهُ رَجُلا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَقَالَ لَهُ إِرْمِيَا : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَسْتَفْتِيكَ فِي بَعْضِ أَمْرِي ، فَأَذِنَ لَهُ ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتَيْتُكَ أَسْتَفْتِيكَ فِي أَهْلِ رَحِمِي ، وَصَلْتُ أَرْحَامَهُمْ بِمَا أَمَرَنِي اللَّهُ بِهِ ، لَمْ آتِ إِلَيْهِمْ إِلا حَسَنًا ، وَلَمْ آلُهُمْ كَرَامَةً ، فَلا تَزِيدُهُمْ كَرَامَتِي إِيَّاهُمْ إِلا إِسْخَاطًا لِي ، فَأَفْتِنِي فِيهِمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، فَقَالَ لَهُ : أَحْسِنْ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ ، وَصِلْ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ أَنْ تَصِلَ ، وَأَبْشِرْ بِخَيْرٍ . وَانْصَرَفَ عَنْهُ ، فَمَكَثَ أَيَّامًا ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَيْهِ فِي صُورَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ جَاءَهُ ، فَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ إِرْمِيَا : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا الرَّجُلُ الَّذِي آتَيْتُكَ أَسْتَفْتِيكَ فِي شَأْنِ أَهْلِي ، فَقَالَ لَهُ نَبِيُّ اللَّهِ : أَوَمَا طَهُرَتْ لَكَ أَخْلاقُهُمْ بَعْدُ ، وَلَمْ تَرَ مِنْهُمُ الَّذِي تُحِبُّ ؟ فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَعْلَمُ كَرَامَةً يَأْتِيهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ لأَهْلِ رَحِمِهِ إِلا قَدْ أَتَيْتُهَا إِلَيْهِمْ وَأَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ : ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ فَأَحْسِنْ إِلَيْهِمْ ، أَسْأَلُ اللَّهَ الَّذِي يُصْلِحُ عِبَادَهُ الصَّالِحِينَ أَنْ يُصْلِحَ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ، وَأَنْ يَجْمَعَكُمْ عَلَى مَرْضَاتِهِ ، وَيُجَنِّبَكُمْ سَخَطَهُ ، فَقَامَ الْمَلَكُ مِنْ عِنْدِهِ ، فَلَبِثَ أَيَّامًا وَقَدْ نَزَلَ بُخْتَنَصَّرُ وَجُنُودُهُ حَوْلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِأَكْثَرَ مِنَ الْجَرَادِ ، فَفَزِعَ مِنْهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فَزَعًا شَدِيدًا ، وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى مَلِكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَدَعَا إِرْمِيَا ، فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَيْنَ مَا وَعَدَكَ اللَّهُ ؟ فَقَالَ : إِنِّي بِرَبِّي وَاثِقٌ . ثُمَّ إِنَّ الْمَلَكَ أَقْبَلَ إِلَى إِرْمِيَا وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى جِدَارِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَضْحَكُ وَيَسْتَبْشِرُ بِنَصْرِ رَبِّهِ الَّذِي وَعَدَهُ ، فَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ إِرْمِيَا : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا الَّذِي كُنْتُ أتَيْتُكَ فِي شَأْنِ أَهْلِي مَرَّتَيْنِ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ : أَوَلَمْ يَأْنِ لَهُمْ أَنْ يُفِيقُوا مِنَ الَّذِي هُمْ فِيهِ ؟ فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، كُلُّ شَيْءٍ كَانَ يُصِيبُنِي مِنْهُمْ قَبْلَ الْيَوْمِ كُنْتُ أَصْبِرُ عَلَيْهِ ، وَأَعْلَمُ أَنَّ مَا بِهِمْ فِي ذَلِكَ سَخَطِي ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُمُ الْيَوْمَ رَأَيْتُهُمْ فِي عَمَلٍ لا يُرْضِي اللَّهَ وَلا يُحِبُّهُ اللَّهُ . فَقَالَ لَهُ نَبِيُّ اللَّهِ : عَلَى أَيِّ عَمَلٍ رَأَيْتَهُمْ ؟ قَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ رَأَيْتُهُمْ عَلَى عَمَلٍ عَظِيمٍ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ ، فَلَوْ كَانُوا عَلَى مِثْلِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ الْيَوْمِ لَمْ يَشْتَدَّ عَلَيْهِمْ غَضَبِي ، وَصَبَرْتُ لَهُمْ وَرَجَوْتُهُمْ ، وَلَكِنْ غَضِبْتُ الْيَوْمَ لِلَّهِ وَلَكَ ، فَأَتَيْتُكَ لأُخْبِرَكَ خَبَرَهُمْ ، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِلا مَا دَعَوْتَ عَلَيْهِمْ رَبَّكَ أَنْ يُهْلِكَهُمْ ، فَقَالَ إِرْمِيَا : يَا مَلِكَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ، إِنْ كَانُوا عَلَى حَقٍّ وَصَوَابٍ فَأَبْقِهِمْ ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى سَخَطِكَ وَعَمَلٍ لا تَرْضَاهُ فَأَهْلِكْهُمْ . فَلمَّا خَرَجَتِ الْكَلِمَةُ مِنْ فِي إِرْمِيَا أَرْسَلَ اللَّهُ صَاعِقَةً مِنَ السَّمَاءِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَالْتَهَبَ مَكَانُ الْقُرْبَانِ ، وَخُسِفَ بِسَبْعَةِ أَبْوَابٍ مِنْ أَبْوَابِهَا ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ إِرْمِيَا صَاحَ وَشَقَّ ثِيَابَهُ ، وَنَبَذَ الرَّمَادَ عَلَى رَأْسِهِ ، فَقَالَ : يَا مَلِكَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ، وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ، أَيْنَ مِيعَادُكَ الَّذِي وَعَدْتَنِي ؟ فَنُودِيَ : إِرميَا ، إِنَّهُمْ لَمْ يُصِبْهُمُ الَّذِي أَصَابَهُمْ إِلا بِفُتْيَاكَ الَّتِي أَفْتَيْتَ بِهَا رَسُولَنَا ، فَاسْتَيْقَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا فُتْيَاهُ الَّتِي أَفْتَى بِهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ ، وَأَنَّهُ رَسُولُ رَبِّهِ ، وَطَارَ إِرْمِيَا حَتَّى خَالَطَ الْوَحْشَ ، وَدَخَلَ بخْتَنَصَّرُ وَجُنُودُهُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَوَطِئَ الشَّامَ ، وَقَتَلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى أَفْنَاهُمْ ، وَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، ثُمَّ أَمَرَ جُنُودَهُ أَنْ يَمْلأَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ تُرْسَهُ تُرَابًا ثُمَّ يَقْذِفَهُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَقَذَفُوا فِيهِ التُّرَابَ حَتَّى مَلَئُوهُ ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى أَرْضِ بَابِلَ ، وَاحْتَمَلَ مَعَهُ سَبَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْمَعُوا مَنْ كَانَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ كُلَّهُمْ ، فَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ كُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَاخْتَارَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ أَلْفَ صَبِيٍّ ، فَلَمَّا خَرَجَتْ غَنَائِمُ جُنْدِهِ ، وَأَرَادَ أَنْ يَقْسِمَهُمْ فِيهِمْ ، قَالَتْ لَهُ الْمُلُوكُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ : أَيُّهَا الْمَلِكُ ، لَكَ غَنَائِمُنَا كُلُّهَا ، وَاقْسِمْ بَيْنَنَا هَؤُلاءِ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ اخْتَرْتَهُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَفَعَلَ وَأَصَابَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَرْبَعَةَ غِلْمَةٍ ، وَكَانَ مِنْ أُولَئِكَ الْغِلْمَانِ دانْيَالُ ، وَحَنَانْيَا ، وَعَزَارَيَا ، وَمِيشَائِيلُ ، وَسَبْعَةُ آلافٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ دَاوُدَ ، وَأَحَدَ عَشَرَ أَلْفًا مِنْ سِبْطِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ ، وَأَخِيهِ بِنْيَامِينَ ، وَثَمَانِيَةُ آلافٍ مِنْ سِبْطِ أَشَرِ بْنِ يَعْقُوبَ ، وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا مِنْ سِبْطِ زَبَالُونَ بْنِ يَعْقُوبَ ، وَنَفْثَالي بْنِ يَعْقُوبَ ، وَأَرْبَعَةُ آلافٍ مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا بْنِ يَعْقُوبَ ، وَأَرْبَعَةُ آلافٍ مِنْ سِبْطِ رُوبِيلَ وَلاوِي ابْنَيْ يَعْقُوبَ . وَمَنْ بَقِيَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَجَعَلَهُمْ بُخْتَنَصَّرُ ثَلاثَ فِرَقٍ ، فَثُلُثًا أَقَرَّ بِالشَّامِ ، وَثُلُثًا سَبَى ، وَثُلُثًا قَتَلَ ، وَذَهَبَ بِآنِيَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَتَّى أَقْدَمَهَا بَابِلَ ، وَذَهَبَ بِالصِّبْيَانِ السَّبْعِينَ الأَلْفِ حَتَّى أَقْدَمَهُمْ بَابِلَ ، فَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ الأُولَى الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ بِإِحْدَاثِهِمْ وَظُلْمِهِمْ . فَلَمَّا وَلَّى بُخْتَنَصَّرُ عَنْهُمْ رَاجِعًا إِلَى بَابِلَ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ سَبَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ، أَقْبَلَ إِرْمِيَا عَلَى حِمَارٍ لَهُ مَعَهُ عَصِيرٌ ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّتَهُ حِينَ أَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ، ثُمَّ بَعَثَهُ ، ثُمَّ خَبَرَ رُؤْيَا بُخْتَنَصَّرَ وَأَمَرَ دَانْيَالَ ، وَهَلاكَ بُخْتَنَصَّرَ ، وَرُجُوعَ مَنْ بَقِيَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي أَيْدِي أَصْحَابِ بُخْتَنَصَّرَ بَعْدَ هَلاكِهِ إِلَى الشَّامِ ، وَعُمَارَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَأَمْرَ عُزَيْرٍ وَكَيْفَ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ التَّوْرَاةَ .
