Archive Hadith

الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي المعافى بن زكريا

Source bookالجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي المعافى بن زكريا
Original number375
Narrators0
Reading styleClassic Ivory

Uses the same manuscript-inspired reading styles as the Qur’an reader. Your choice is remembered across both readers.

Source textOriginal Arabic
حدثنا الحسين بْن القاسم الكوكبي ، قَالَ : حَدَّثَنِي يعقوب بْن بنان الكاتب ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو العباس ابْن الفرات ، قَالَ : كنا ليلة في دار أَبِي الصقر إسماعيل بْن بلبل فوافى يعقوب بْن إسحاق الصائغ برسالة من أَبِي القاسم عُبَيْد اللَّهِ بْن سليمان في حاجة له ، فجلس معناه إلى أن يؤذن له على أَبِي الصقر فجرى ذكر أَحْمَد بْن أَبِي داود فكل حدث عَنْهُ , وعن أيامه بشيء ، فحدثنا يعقوب بْن الصائغ ، قَالَ : لما وجه المأمون بأبي إسحاق المعتصم إلى مصر , وعقد له من باب الأنبار إلى أقصى المغرب . قَالَ ليحيى بْن أكثم : ينبغي أن ترتاد لي رجلا حصيفًا لبيبًا له علم وأمانة وثقة أنفده مع أَبِي إسحاق ، وأوليه المظالم في أعماله ، وأتقدم إليه سرًا بمكاتبتي سرًا بأخباره وما تجري عليه أموره ، وبما يظهر ويبطن ، وما يرى من أمر قواده وخاصته ، وكيف تدبيره في الأموال , وغيرها ، فإني لست أثق بأحد ممن يتولى البريد ، وما أحب أن أجشمه بتقليد صاحب البريد عليه فيكون معتمدي عليه , وتكون كتبه سرية إليك لتقرئني إياها إذا وردت ، فقال : يا أمير المؤمنين عندي رجل من أصحابي أثق بعقله ودينه ورأيه وأمانته وصدقه ونزاهته ، فقال : جئني به في يوم كذا وكذا , فصار يحيى بْن أكثم بأَحْمَد بْن أَبِي داود إلى المأمون في اليوم الذي حده له , فكلمه المأمون , فوجده فهمًا راجحًا . فقال له : إني أريد إنفاذك مع أخي أَبِي إسحاق ، وأريد أن تكتب بأخباره سرًا ، وتتفقد أحواله ومجاري أموره وتدبيراته وخبر خاصته وخلواته ، وتنفذ كتبك بذلك إلى يحيى بْن أكثم مع ثقاتك ومن تأمنه على دمك ، فإني أشهر أمرك بتقليد المظالم في عسكره ، وأتقدم إليه بمشورتك والأنس بك ، فقال له أَحْمَد : أبلغ لك يا أمير المؤمنين في ذلك فوق ما قدرته عندي وبي ، وأنتهي إلى ما يرضي أمير المؤمنين ويزلف عنده ، فجمع المأمون بين أَحْمَد بْن أَبِي داود وبين المعتصم , وقال له : إنك تشخص في هذا العسكر , وفيه أوباش الناس وجند وعجم وأخلاط من الرعية ، ولا بد لعسكرك من صاحب مظالم يكون فيه لينظر في أمور الناس ، وقد اخترت لك هذا الرجل فضمه إليك وأحسن صحبته وعشرته ، فأخذه المعتصم معه ، فلما بلغوا الأنبار وافت كتب أصحاب البريد بموافاة المعتصم الأنبار ، فقال المأمون ليحيى : ترى ما كان من بغداد إلى الأنبار خبر يكتب به صاحبك إليك ؟ ! قَالَ : فقال يحيى : لعله يا أمير المؤمنين لم يحدث خبر تحسن المكاتبة به ، وكتب يحيي إلى أحد يعنفه ويستبطئه ويخبره : أن أمير المؤمنين قد أنكر تأخر كتابه ، فلما ورد الكتاب على أَحْمَد , ووقف على ما فيه احتفظ به ولم يجب عَنْهُ ، وشخص المعتصم حتى وافي الرحبة , ولم يكتب أَحْمَد بحرف واحد من أخبار المعتصم الرحبة وأخبار عسكره ، فدعا المأمون يحيى بْن أكثم . فقال : يا أسخن الله عينك ، عجبت أن تختار إلا من هذه سبيله ، تختار لي ويحك رجلا تصفه بكل الصفات , فأتقدم إليه بما كنت حاضره ، فلا يكتب من بغداد إلى أن يوافى الرحبة إليك كتابًا في معنى ما أعتمد عليه فيه ؟ ! قَالَ : فكتب يحيى إلى أَحْمَد كتابًا أغلظ له المخاطبة , وأسمعه فيه المكروه , ويقول له : إنما أشخصناك لما تقدمنا به إليك ، وأنا إنما أظهرنا تقليدك المظالم ليتيسر ما أمرت به ، فما هذه الغفلة , وما هذا الجهل بما يراد منك ؟ ! فورد الكتاب على أَحْمَد , فقرأه واحتفظ به ، وسار المعتصم من الرحبة حتى وافى الرقة ، فدعا المأمون بيحيى , فقال له : يا سخين العين ، هذا مقدار رأيك وعقلك ؟ ! اللهم إلا أن تكون غررتني معتمدًا ، وأوطأتني العشوة قصدًا أولا فتجيئني برجل علم موقعه عندك , وتطلعني على الوقوف عليه فتصفه وتقرظه حتى أودعته سرًا من أسراري , وأمرًا أقدمه على كل أموري ، فمضى من مدينة السلام إلى ديار مصر فلم يكتب بحرف مما أمر بالكتاب به ؟ ! فقال : يا أمير المؤمنين من يعمل بغير ما يؤدي إلى محبتك ويقود إلى إرادتك , فأذاقه الله بأسك ، وألبسه نكالك ، وصب عليه عذابك . وكتب إلى أَحْمَد كتابًا يشتمل على كل إيعاد وإرهاب وتخويف وتحذير ، وخاطبه بأوحش مخاطبة وأنكلها ، فورد الكتاب على أَحْمَد , فقرأه واحتفظ به ، وأمر المأمون عَمْرو بْن مسعدة أن يكتب إلى أَبِي إسحاق المعتصم كتابًا يأمره فيه بالبعثه بأَحْمَد بْن أَبِي داود مشدودة يده إلى عنقه ، مثقلا بالحديد ، محمولا على غير وطاء ، فورد الكتاب على المعتصم ، ودخل أَحْمَد بْن أَبِي داود إليه وهو بالرقة ما جاوزها ، فرأى المعتصم كئيبًا مغمومًا ، فقال : أيها الأمير أراك متغيرًا وأرى لونك حائلا . فقال : نعم لكتاب ورد علي من أجلك ، ونبذ إليه بالكتاب فقرأه أَحْمَد . فقال له المعتصم : تعرف لك ذنبًا يوجب ما كتب به أمير المؤمنين ؟ قَالَ : ما اجترمت ذنبًا , إلا أن أمير المؤمنين لا يستحل هذا مني إلا بحجة ، فما الذي عند الأمير فيما كتب به إليه ؟ فقال : أمر أمير المؤمنين لا يخالف لكني أعفيك من الغل والحديد ، وأحملك إليه على حال لا توهنك ولا تؤلمك وأوجه بك من غلام من غلماني أتقدم إليه في ترفيهك , وأن لا يعسفك ، فقال : جزاك الله أيها الأمير أفضل ما جازى منعمًا ، فإن رأى الأمير أن يأذن لي في المصير إلى منزلي ومعي من يراعيني إلى أن يردني إلى مجلس الأمير فيأمر بأمره فعل . فقال له : امض ، ووجه معه خادمًا من خدمه ، فصار أَحْمَد إلى منزله ، واستخرج الكتب الثلاثة التي كاتبه بها يحيى بْن أكثم وهم بالأنبار ، والكتاب الذي ورد وهم بالرحبة ، والكتاب الذي ورد وهم بالرقة ، ورجع إلى المعتصم فأقرأه الكتاب الأول , ثُمَّ الثاني , ثُمَّ الثالث , وقال له : إنما بعثت لأكتب بأخبارك وأتفقد أحوالك وأكاتب يحيى بذلك ليقرأه على أمير المؤمنين فخالفت ذلك لما رجوته من الخطوة عندك , ولما أملته في غدك ، فاستشاط المعتصم غضبًا وكاد يخرج من ثيابه غيظًا , وتكلم من يحيى بكل مكروه , وتوعده بكل بلاء . وقال : ويلي على البقار البليد السراويل ، وقال لأَحْمَد : يا هذا لقد رعيت لنا رعاية لم يتقدمها إحساننا إليك ، وحفظت علينا ما نرجو أن نتسع لمكافأتك عليه ، ومعاذ الله أن أسلمك أو أفرج عنك أو تنالك يد ولي قدرة على منعها منك ، أو أوثر خاصة وحميمًا عليك ما أمتد بي عمر أو تراخي بي أجل ، فكن معي فأمرك نافذ في كل ما ينفذ فيه أمري ، ولم يجب المأمون على كتاب ، فلم يزل معه أن ولي الخلافة وإلى أن ولي الواثق وإلى أيام المتوكل فأوقع به . قال القاضي أَبُو الفرج : قول المأمون ليحيى : أوطأتني العشوة ، يقال فيها : العشوة والعشوة ، وقال بعض علماء اللغة : الضم فيها أفصح اللغات .