Archive Hadith

تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري

Source bookتبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري
Original number353
Narrators0
Reading styleClassic Ivory

Uses the same manuscript-inspired reading styles as the Qur’an reader. Your choice is remembered across both readers.

Source textOriginal Arabic
سمعت الشيخ الفقيه الإمام أبا القاسم سعد بن عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ بن أَبِي هريرة الإسفراييني الصوفي الشافعي بِدِمَشْقَ ، قَالَ : سمعت الشيخ الإمام الأوحد ، زين القراء جمال الحرم ، أبا الفتح عامر بن نحام بن عامر العربي الساوي بمكة حرسها اللَّه ، يقول : دخلت المسجد الحرام يوم الأحد فيما بين الظهر والعصر الرابع عشر من شوال سنة خمس وأربعين وخمس مائة ، وكان بي نوع تكسر ، ودوران رأس ، بحيث أني لا أقدر أن أقف أو أجلس لشدة ما بي ، وكنت أطلب موضعا أستريح فيه ساعة على جنبي ، فرأيت باب بيت الجماعة للرباط الرامشتي عند باب العزورة ، مفتوحا فقصدته ، ودخلت فيه ، ووقعت على جنبي الأيمن بحذاء الكعبة المشرفة ، مفترشا يدي تحت خدي لكيلا يأخذني النوم ، فتنتقض طهارتي ، فإذا برجل من أهل البدعة ، معروف بها ، جاء ونشر مصلاه ، على باب ذلك البيت ، وأخرج لويحا من جيبه ، أظنه كان من الحجر ، وعليه كتابة فقبله ووضعه بين يديه ، وصلى صلاة طويلة ، مرسلا يديه فيها على عادتهم ، وكان يسجد على ذلك اللويح في كل مرة ، فإذا فرغ من صلاته سجد عليه ، وأطال فيه ، وكان يمعك خده من الجانبين عليه ، ويتضرع في الدعاء ، ثم رفع رأسه وقبله ، ووضعه على عينيه ، ثم قبله ثانيا ، وأدخله في جيبه كما كان . قال : فلما رأيت ذلك كرهته واستوحشت منه ذلك ، وقلت في نفسي : ليت كان رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيا فيما بيننَا ليخبرهم بسوء صنيعهم ، وما هم عليه من البدعة ، ومع هذا التفكر كنت أطرد النوم عن نفسي كي لا يأخذني ، فتفسد طهارتي ، فبينَا أنَا كذلك إذ طرأ علي النعاس ، وغلبَنِي ، فكأني بين اليقظة والمنَام ، فرأيت عرصة واسعة فيها نَاس كثيرون واقفين ، وفي يد كل واحد منهم كتاب مجلد ، قد تحلقوا كلهم على شخص ، فسألت النَّاس عن حالهم ، وعمن في الحلقة ؟ فقَالُوا : هو رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهؤلاء أصحاب المذاهب ، يريدون أن يقرؤا مذاهبهم ، واعتقادهم ، من كتبهم على رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ويصححوه عليه ، قَالَ : فبينَا أنَا كذلك أنظر إلى القوم ، إِذَا جاء واحد من أهل الحلقة ، وبيده كتاب ، قيل إن هذا الشافعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فدخل في وسط الحلقة ، وسلم على رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : فرأيت رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جماله وكماله متلبسا بالثياب البيض ، المغسولة النظيفة من العمامة والقميص ، وسائر الثياب على زي أهل التصوف ، فرد عليه الجواب ، ورحب به ، وقعد الشافعي بين يديه ، وقرأ من الكتاب ، مذهبه واعتقاده عليه ، وبعد ذلك جاء شخص آخر ، قيل : هو أَبُو حنيفة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وبيده كتاب ، فسلم وقعد بجنب الشافعي ، وقرأ من الكتاب مذهبه واعتقاده ، ثم أتى بعده كل صاحب مذهب إلى أن لم يبق إلا القليل ، وكل من يقرأ يقعد بجنب الآخر ، فلما فرغوا إِذَا واحد من المبتدعة الملقبة بالرافضة ، قد جاء وفي يده كراريس غير مجلدة فيها : ذكر عقائدهم الباطلة ، وهم أن يدخل الحلقة ، ويقرأها على رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فخرج واحد ممن كان مع رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليه وزجره ، وأخذ الكراريس من يده ، ورماها إلى خارج الحلقة وطرده وأهانه ، فلما رأيت أن القوم قد فرغوا ، وما بقي أحد يقرأ عليه شيئًا تقدمت قليلا ، وكان في يدي كتاب مجلد ، فنَاديت ، وقلت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هذا الكتاب معتقدي ، ومعتقد أهل السنة ، لو أذنت لي حتى أقرأه عليك . فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وما ذاك ؟ " . قلت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هو : قواعد العقائد الذي صنفه الغزالي ، فأذن لي في القراءة ، فقعدت وابتدأت : بسم اللَّه الرحمن الرحيم ، كتاب قواعد العقائد ، وفيه أربعة فصول : الفصل الأول : في ترجمة عقيدة أهل السنة في كلمتي الشهادة التي هي أحد مباني الإسلام ، فنقول وبِاللَّهِ التوفيق : الحمد لِلَّه المبدئ المعيد ، الفعال لما يريد ، ذي العرش المجيد ، والبطش الشديد ، الهادي صفوة العبيد ، إلى المنهج الرشيد ، والمسلك السديد ، المنعم عليهم بعد شهادة التوحيد بحراسة عقائدهم عن ظلمات التشكيك ، والترديد ، السابق بهم إلى إتباع رسوله المصطفى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واقتفاء صحبه الأكرمين بالتأييد والتسديد ، المتجلي لهم في ذاته وأفعاله بمحاسن أوصافه التي لا يدركها إلا من ألقي السمع وهو شهيد ، المعرف إياهم في ذاته أنه واحد لا شريك له ، فرد لا مثل له ، صمد لا ضد له ، وأنه قديم لا أول له ، أزلي لا بداية له ، مستمر الوجود لا آخر له ، أبدي لا نهاية له ، قيوم لا انقطاع له ، دائم لا انصرام له ، لم يزل ولا يزال موصوفا بنعوت الجلال ، لا يقضي عليه بالانقضاء ، تصرم الآباد وانقراض الآجال ، بل هو الأول ، والآخر ، والباطن ، والظاهر . وأنه ليس بجسم مصور ، ولا جوهر محدود مقدر ، وأنه لا يماثل الأجسام لا في التقدير ، ولا في قبول الانقسام ، وأنه ليس بجوهر ، ولا تحله الجواهر ، ولا بعرض ، ولا تحله الأعراض ، بل لا يماثل موجودا ، ولا يماثله موجود ، وليس كمثله شيء ولا هو مثل شيء ، وأنه لا يحده المقدار ، ولا تحويه الأقطار ، ولا تحيط به الجهات ، ولا تكتنفه الأرضون والسموات . وأنه استوى على العرش على الوجه الذي قاله ، وبالمعني الذي أراده استواءً منزها عن المماسة والاستقرار ، والتمكن ، والحلول ، والانتقال ، لا يحمله العرش ، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ، ومقهورون في قبضته ، وهو فوق العرش ، وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى ، فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء ، بل هو رفيع الدرجات عن العرش ، كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى ، وهو مع ذلك قريب من كل موجود ، وهو أقرب إلى العبيد ، من حبل الوريد ، وهو على كل شيء شهيد ، إِذ لا يماثل قربه قرب الأجسام ، كما لا تماثل ذاته الأجسام ، وأنه لا يحل في شيء ، ولا يحل فيه شيء ، تعالى عن أن يحويه مكان كما تقدس عن أن يحده زمان . كان قبل أن خلق الزمان والمكان ، وهو الآن على ما عليه كان ، وأنه بائن من خلقه بصفاته ، وليس في ذاته سواه ، ولا في سواه ذاته ، وأنه مقدس عن التغير والانتقال ، لا تحله الحوادث ، ولا تعتريه العوارض ، بل لا يزال في نعوت جلاله منزها عن الزوال ، وفي صفات كماله مستغنيا عن زيادة الاستكمال ، وأنه في ذاته معلوم الوجود بالعقول ، مرئي الذات بالأبصار ، نعمة منه ولطفا بالأبرار في دار القرار ، وإتماما للنعيم بالنظر إلى وجه الكريم . وأنه حي ، قادر ، جبار ، قاهر ، لا يعتريه قصور ، ولا عجز ، ولا تأخذه سنة ولا نوم ، ولا يعارضه فنَاء ، ولا موت ، وأنه ذو الملك والملكوت ، والعزة والجبروت ، له السلطان ، والقهر ، والخلق ، والأمر ، السموات مطويات بيمينه ، والخلائق مقهورون في قبضته ، وأنه المنفرد بالخلق والاختراع ، المتوحد الإيجاد والإبداع ، خلق الخلق وأعمالهم ، وقدر أرزاقهم وآجالهم ، لا يشذ عن قبضته مقدور ، ولا يعزب عن قدرته تصاريف الأمور ، ولا تحصى مقدوراته ، ولا تتنَاهى معلوماته . وأنه عالم بجميع المعلومات ، محيط علمه بما يجري في تخوم الأرضين ، إلى أعلى السموات ، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، بل يعلم دبيب النملة السوداء ، على الصخرة الصماء ، في الليلة الظلماء ، ويدرك حركة الذر في جو الهواء ، ويعلم السر وأخفى ، ويطلع على هواجس الضمائر ، وحركات الخواطر ، وخفيات السرائر ، بعلم قديم أزلي ، لم يزل موصوفا في أزل الآزال ، لا بعلم مجدد حاصل في ذاته بالحلول والانتقال . وأنه مريد الكائنَات ، مدبر الحادثات ، ولا يجري في الملك والملكوت قليل أو كثير ، صغير أو كبير ، خير أو شر ، نفع أو ضر ، إيمان أو كفر ، عرفان أو نكر ، فوز أو خسر ، زيادة أو نقصان ، طاعة أو عصيان ، كفر أو إيمان ، إلا بقضائه وقدره ، وحكمه ومشيئته ، فما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، لا يخرج عن مشيئته لفتة نَاظر ، ولا فلتة خاطر ، بل هو المبدئ المعيد ، الفعال لما يريد ، لا راد لحكمه ، ولا معقب لقضائه ، ولا مهرب لعبد عن معصيته ، إلا بتوفيقه ورحمته ، ولا قوة على طاعته إلا بمحبته وإرادته ، لو اجتمع الإنس والجن ، والملائكة والشياطين ، على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها ، دون إرادته ومشيئته عجزوا عنه ، وإن إرادته قائمة بذاته في جملة صفاته ، لم يزل كذلك موصوفا بها ، مريدا في أزله لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدرها ، فوجدت في أوقاتها ، كما أراده في أزله من غير تقدم وتأخر ، بل وقعت على وفق علمه وإرادته ، من غير تبدل وتغير ، دبر الأمور ، لا بترتيب أفكار ، وتربص زمان ، فلذلك لم يشغله شان عن شان . وأنه تعالى سميع بصير ، يسمع ويرى لا يعزب عن سمعه مسموع وإن خفى ، ولا يغيب عن رؤيته مرئي وإن دق ، لا يحجب سمعه بُعد ، ولا يدفع رؤيته ظلام ، يرى من غير حدقة وأجفان ، ويسمع من غير أصمخة وآذان ، كما يعلم بغير قلب ، ويبطش بغير جارحة ، ويخلق بغير آلة إذ تشبه صفاته صفات الخلق ، كما لا تشبه ذاته ذات الخلق . وأنه متكلم آمر نَاهٍ واعد متوعد بكلام أزلي قديم ، قائم بذاته لا يشبه كلام الخلق ، فليس بصوت يحدث من انسلال هواء ، واصطكاك أجرام ، ولا بحرف ينقطع بإطباق شفة أو تحريك لسان ، وأن القرآن ، والتوراة ، والإنجيل ، والزبور ، كتبه المنزلة على رسله ، وأن القرآن مقروء بالألسنة ، مكتوب في المصاحف ، محفوظ في القلوب ، وأنه مع ذلك قديم قائم بذات اللَّه تعالى ، لا يقبل الانفصال ، والفراق بالانتقال ، إلى القلوب والأوراق ، وأن مُوسَى عليه السلام سمع كلام اللَّه بغير صوت ولا حرف ، كما يرى الأبرار ذات اللَّه تعالى من غير جوهر ، ولا عرض . وإذا كانت له هَذِهِ الصفات ، كان حيا عالما قادرا مريدا سميعا بصيرا متكلما ، بالحياة ، والعلم ، والقدرة ، والإدارة ، والسمع ، والبصر ، والكلام ، لا بمجرد الذات . وأنه لا موجود سواه إلا وهو حادث بفعله ، وفائض من عدله على أحسن الوجوه ، وأكملها ، وأتمها ، وأعدلها ، وأنه حكيم في أفعاله ، وعادل في أقضيته ، ولا يقاس عدله بعدل العباد ، إذ العبد يتصور منه الظلم بتصرفه في ملك غيره ، ولا يتصور الظلم من اللَّه تعالى ، فإنه لا يصادف لغيره ملكا ، حتى يكون تصرفه فيه ظلما ، فكل ما سواه من جن ، وإنس ، وشيطان ، وملك ، وسماء ، وأرض ، وحيوان ، ونبات ، وجوهر ، وعرض ، ومدرك ، ومحسوس ، حادث اخترعه بقدرته بعد العدم اختراعا وإنشاءً ، بعد أن لم يكن شيئًا ، إذ كان في الأزل موجودا وحده ، ولم يكن معه غيره ، فأحدث الخلق بعدُ إظهارا لقدرته ، وتحقيقا لما سبق من إرادته ، وحق في الأزل من كلمته ، لا لافتقاره إليه وحاجته ، وأنه تعالى متفضل بالخلق ، والاختراع ، والتكليف ، لا عن وجوب ، ومتطول بالإنعام والإصلاح لا عن لزوم ، فله الفضل ، والإحسان ، والنعمة ، والامتنَان . إذ كان قادرا على أن يصب على عبادة أنواع العذاب ، ويبتليهم بضروب الآلام والأوصاب ، ولو فعل ذلك لكان منه عدلا ، ولم يكن قبيحا ولا ظلما ، وأنه يثيب عباده على الطاعات ، بحكم الكرم والوعد ، لا بحكم الاستحقاق واللزوم ، إذ لا يجب عليه فعل ، ولا يتصور منه ظلم ، ولا يجب عليه حق ، وأن حقه في الطاعات وجب على الخلق بإيجابه على لسان أنبيائه ، لا بمجرد العقل ، ولكنه بعث الرسل وأظهر صدقهم بالمعجزات الظاهرة ، فبلغوا أمره ونهيه ، ووعده ووعيده ، فوجب على الخلق تصديقهم فيما جاءوا به . معني الكلمة الثانية : وهي شهادة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أنه تعالى بعث النبي الأمي القرشي مُحَمَّدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برسالته إلى كافة العرب والعجم ، والجن والإنس . قال : فلما بلغت إلى هذا ، رأيت البشاشة والتبسم في وجهه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إذ انتهيت إلى نعته وصفته ، فالتفت إليَّ وقال : " أين الغزالي ؟ " فإذا بالغزالي كأنه كان واقفا على الحلقة بين يديه ، فقال : ها أنَا ذا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وتقدم وسلم على رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فرد عليه الجواب ونَاوله يده العزيزة ، والغزالي يقبل يده ، ويضع خديه عليه تبركا به ، وبيده العزيزة المباركة ، ثم قعد . قال : فما رأيت رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر استبشارا بقراءة أحد مثل ما كان بقراءتي عليه قواعد العقائد ، ثم انتبهت من النوم وعلى عيني أثر الدمع مما رأيت من تلك الأحوال والمشاهدات والكرامات ، فإنها كانت نعمة جسيمة من اللَّه تعالى ، سيما في آخر الزمان مع كثرة الأهواء . فنسأل اللَّه تعالى أن يثبتنَا على عقيدة أهل الحق ، ويحيينَا ويميتنَا عليها ، ويحشرنَا معهم ومع الأنبياء ، والمرسلين ، والصديقين ، والشهداء ، والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا ، فإنه بالفضل جدير ، وعلى ما يشاء قدير قال الشيخ الإمام أَبُو الْقَاسِمِ الإسفراييني : هذا معنى ما حكى لي أَبُو الْفَتْحِ الساوي أنه رآه في المنَام لأنه حكاه لي بالفارسية ، وترجمته أنَا بالعربية . وتتمة الفصل الأول من فصول قواعد العقائد الذي يتم به الاعتقاد ، ولم يتفق قراءته إياه على رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ومن المصلحة إثباته ليكون الاعتقاد تاما في نفسه غير نَاقص لمن أراد تحصيله وحفظه بعد قوله : وأنه تعالى بعث النبي الأمي القرشي مُحَمَّدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برسالته إلى كافة العرب ، والعجم ، والجن ، والإنس . فنسخ ما يلي بشرعة الشرائع إلى ما قرر ، وفضله على سائر الأنبياء ، وجعله سيد البشر ، ومنع كمال الإيمان بشهادة التوحيد ، وهو قول لا إله إلا اللَّه ، ما لم يقترن به شهادة الرسول ، وهو قول مُحَمَّد رسول اللَّه ، فألزم الخلق تصديقه ، في جميع ما أخبر عنه من الدنيا والآخرة ، وأنه لا يتقبل إيمان عبد حتى يوقن بما أخبر عنه بعد الموت . وأوله سؤال منكر ونكير ، وهما شخصان مهيبان هائلان يقعدان العبد في قبره سويا ذا روح وجسد ، فيسألانه عن التوحيد والرسالة ، ويقولان : من ربك ؟ وما يدينك ؟ ومن نبيك ؟ وهما فتانَا القبر ، وسؤالهما : أول فتنة القبر بعد الموت ، وأن يؤمن بعذاب القبر ، وأنه حق ، وحكمة ، وعدل على الجسم والروح على ما يشاء ، ويؤمن بالميزان ذي الكفتين واللسان ، وصفته في العظم مثل أنه مثل طباق السموات والأرض ، توزن فيه الأعمال بقدرة اللَّه تعالى ، والسنج يومئذ مثاقيل الذر والخردل ، تحقيقا لتمام العدل ، وتطرح صحائف الحسنَات في صورة حسنة ، في كفة النور ، فيثقل بها الميزان على قدر درجاتها عند اللَّه بفضل اللَّه تعالى ، وتطرح صحائف السيئات في كفة الظلمة ، فيخف بها الميزان بعدل اللَّه تعالى ، وأن يؤمن بأن الصراط حق ، وهو جسر ممدود على متن جهنم أحد من السيف ، وأدق من الشعر ، تنزل عليه أقدام الكافرين ، بحكم اللَّه تعالى ، فيهوى بهم إلى النَّار ، ويثبت عليه أقدام المؤمنين ، فيساقون إلى دار القرار ، وأن نؤمن بالحوض المورود : حوض مُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يشرب منه المؤمنون قبل دخول الجنة ، وبعد جواز الصراط ، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا ، عرضه مسيرة شهر ، ماؤه أشد بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل ، حوله أباريق عددها عدد نجوم السماء ، فيه ميزابان يصبان من الكوثر ، ويؤمن بيوم الحساب ، وتفاوت الخلق فيه إلى منَاقش في الحساب ، وإلى مسامح فيه ، إلى من يدخل الجنة بغير حساب ، وهم المقربون ، فيسأل من شاء من الأنبياء عن تبليغ الرسالة ، ومن شاء من الكفار تكذيب المرسلين . ويسأل المبتدعة عن السنة ، ويسأل المسلمين عن الأعمال ، ويؤمن بإخراج الموحدين من النَّار بعد الانتقام ، حتى لا يبقي في جهنم موحد بفضل اللَّه تعالى ، ويؤمن بشفاعة الأنبياء ، ثم العلماء ، ثم الشهداء ، ثم سائر المؤمنين ، كل على حسب جاهه ومنزلته ، ومن بقي من المؤمنين ، ولم يكن له شفيع أخرج بفضل اللَّه تعالى ، ولا يخلد في النَّار مؤمن ، بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ، وأن يعتقد فضل الصحابة ، وترتيبهم ، وأن أفضل النَّاس بعد رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَبُو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم . وأن يحسن الظن بجميع الصحابة ، ويثني عليهم ، كما أثنى اللَّه تعالى ورسوله عليه السلام وعليهم أجمعين ، فكل ذلك مما وردت به الأخبار وشهدت به الآثار ، فمن اعتقد جميع ذلك موقنَا به كان من أهل الحق ، وعصابة السنة ، وفارق رهط الضلال والبدعة ، فنسأل اللَّه تعالى كمال اليقين والثبات في الدين لنَا ولكافة المسلمين ، إنه أرحم الراحمين ، وصلى اللَّه على مُحَمَّد وآله أجمعين .

Related Hadith